عبد الملك الجويني
33
الشامل في أصول الدين
المصير إلى أن المعدوم ليس بمعلوم ، وهذا غلط من هذا الظان . ولا يقف على كلامه إلا مبرز في هذا الفن . وحقيقة مذهبه أن الانتفاء معلوم على الحقيقة ، ولكن من ضرورة العلم بالانتفاء تعلق العلم بتقدير شيء ، إذ المعدومات تنقسم العبارة عنها ثلاثة أقسام : فيقال للذي كان موجودا فعدم : فعلم انتفاؤه عن ما كان عليه ، فيتعلق العلم بالكون الماضي المقدّر . ويقال في الذي لم يوجد وسيوجد : يعلم انتفاء ما سيكون . ويقال في الذي لم يوجد وليس مما يوجد في معلوم اللّه علم اللّه ، انتفى ما لو كان علم ، كيف كان يكون فلا يتحقق أن يعلم نفيا إلا متعلقا بمقدّر مثل أن يعتقد نفي شيء ، فمن ضرورة ذلك العلم بشيء مقدّر مع العلم بانتفائه ، فقد خرج من مضمون كلامه أن المعدوم معلوم على الحقيقة ، ولم يخالف أصحابه فيما قال ، والظن بالأئمة ألا يخالفوه أيضا فيما أبداه . ولست أنقل ذلك عنهم لأني لم ألقه منصوصا لهم . فأما وجه الرد على نفي كون المعدوم معلوما ، فهو أن نقول : إذا علم الواحد أنه ليس معه ثوب ، فعلمه ثابت لا سبيل إلى جحده ، ثم لا بد للعلم من معلوم ، ويستحيل أن يكون معلوم علمه ثبوت الثوب ، فإنه يفصل بين علمه بكون الثوب معه ، وبين علمه بأنه ليس معه ، فدل أن العلم يتعلق بانتفاء كون الثوب معه . ونقول أيضا : المعدوم مقدور مراد عندكم . إذ من أصل هؤلاء موافقة المعتزلة في تقديم الاستطاعة على الفعل ، والمصير إلى أن القدرة لا تتعلق بالحادث ، فإذا لم يبعد كون المعدوم مقدورا مرادا ، فكيف يبعد ذلك في المعلوم ، والعلم أعم تعلقا من القدرة والإرادة ؟ ثم نقول : أتقولون إن الرب تعالى علم في أزله أن العالم سيوجد ، أم تأبون ذلك ؟ فإن أبوه كفروا ، ولا يأبونه ، وإذا اعترفوا به قيل : فجواز الوجود ليس بوجود ، فقد أثبتم معلوما غير موجود . ويقال لهم : العلم بأن لا شريك للّه تعالى ما معلومه ؟ ولا يزالون يخطرون ، حتى يعترفوا بأن معلومه نفي الشريك . فإن تمسكوا ببعض شبه المعتزلة ، وقالوا : لو كانت المعدومات معلومات ، لوجب أن تكون متميزة ، ولا تمييز إلا في الذوات ، وفي هذا إثبات المعدومات أشياء ، فقد سبق الانفصال عن ذلك ، وكل فصل تعلق بمعلوم ، فموضع استقصائه الصفات إن شاء اللّه . فصل القول في ذكر أقسام الموجودات اعلموا أحسن اللّه ارشادكم أن الموجودات تنقسم قسمين : منها ما لوجوده أول ومفتتح ، وهو الحادث على ما سنذكر حقيقة الحادث ومنها ما لا أول لوجوده ، وهو القديم